الذهبي
95
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فأضرمت المدينة عليه ، وهربت إلى فلسطين تسأل عن أبنائه ، فلما أتاك قتله أضافتك عداوة عليّ أن لحقت بمعاوية ، فبعت دينك منه بمصر ، فقال معاوية : حسبك يرحمك اللَّه ، عرّضني لك عمرو ، وعرّض نفسه [ ( 1 ) ] . وكان عمرو من أفراد الدهر دهاء ، وجلادة ، وحزما ، ورأيا ، وفصاحة . ذكر محمد بن سلّام الجمحيّ : أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه قال : خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد [ ( 2 ) ] . وقال مجالد ، عن الشعبي ، عن قبيصة بن جابر قال : صحبت عمر ، فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب اللَّه منه ، ولا أفقه في دين اللَّه منه ، ولا أحسن مداراة منه ، وصحبت طلحة بن عبيد اللَّه ، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل منه من غير مسألة ، وصحبت معاوية ، فما رأيت أحلم منه ، وصحبت عمرو بن العاص ، فما رأيت رجلا أبين - أو قال أنصع - طرفا منه ، ولا أكرم جليسا ، ولا أشبه سريرة بعلانية منه ، وصحبت المغيرة بن شعبة ، فلو أنّ مدينة لها ثمانية أبواب ، لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها [ ( 3 ) ] . وقال موسى بن عليّ ، حدّثنا أبي [ ( 4 ) ] ، : ثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص ، أنّ عمرا كان يسرد الصوم ، وقلّما كان يصيب من العشاء أول الليل أكثر ممّا كان يأكل في السحر [ ( 5 ) ] . وقال عمرو بن دينار : وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام ، فسبّه المغيرة ، فقال عمرو : يا هصيص ، أيستبّني ابن شعبة ! فقال
--> [ ( 1 ) ] تاريخ دمشق 13 / 263 ب . [ ( 2 ) ] تاريخ دمشق 13 / 264 أ . وقال ابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 512 : يريد خالق الأضداد . [ ( 3 ) ] المعرفة والتاريخ 1 / 457 ، 458 ، تاريخ دمشق 13 / 264 أ . [ ( 4 ) ] في الأصل « موسى بن علاء بن رباح » ، والتصويب من صحيح مسلم وغيره . [ ( 5 ) ] أخرجه مسلم في الصيام ( 1096 ) باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ، واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر ، والترمذي ( 708 ) ، وأبو داود ( 2343 ) والنسائي 4 / 146 ، وأحمد 4 / 197 من طرق عن : موسى بن علي ، بهذا الإسناد .